حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
296
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
لم يبق الإبهام . ولم قال هاهنا ادْخُلُوا وهناك اسْكُنُوا ؟ لأن الدخول مقدم على السكون ، « والبقرة » مقدمة في الذكر على « الأعراف » . ولم قال في « البقرة » فَكُلُوا وفي « الأعراف » وَكُلُوا بالواو ؟ لما بينا في قوله وَكُلا مِنْها رَغَداً . ولم قال في « البقرة » خَطاياكُمْ وفي « الأعراف » خَطِيئاتِكُمْ ؟ لأن الخطايا جمع الكثرة ، والخطيئات جمع السلامة للقلة ، وقد أضاف القول هاهنا إلى نفسه فكان اللائق بكرمه غفران الذنوب الكثيرة ، وهناك لم يذكر الفاعل فلم يكن ذكر اللفظ الدال على الكثرة واجبا . ولمثل هذا الجواب ذكر هاهنا رَغَداً ليدل على الإنعام الأتم ، ولم يذكر في « الأعراف » ، ولم قال هاهنا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ وفي « الأعراف » بالعكس ؟ لأن الواو للجمع المطلق ، ولأن المخاطبين صنفان : محسن ومذنب . واللائق بالمحسن تقدم العبادة والخضوع ، ثم ذكر التوبة على سبيل هضم النفس وإزالة العجب . واللائق بالمسيء عكس ذلك ، ولأنه ذكر في هذه السورة ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فقدم كيفية الدخول . ولم قال في « البقرة » وَسَنَزِيدُ وفي « الأعراف » سَنَزِيدُ ؟ لأنه في « الأعراف » ذكر أمرين : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ، ودخول الباب وهو إشارة إلى العبادة . ثم ذكر جزاءين أحدهما الغفران والآخر الزيادة ، فترك الواو ليفيد توزيع الجزاءين على الشرطين . وفي « البقرة » وقع مجموع المغفرة والزيادة جزاء لمجموع الفعلين ، أعني دخول الباب وقول الحطة ، فاحتيج إلى الواو وأيضا الاتصال اللفظي حاصل في هذه السورة بين قوله وَإِذْ قُلْنَا وبين قوله وَسَنَزِيدُ بخلاف « الأعراف » لأن اللائق به في الظاهر سيزاد ، فحذف الواو ليكون استئنافا للكلام . وما الفائدة في زيادة كلمة مِنْهُمْ في الأعراف ؟ لأن أول القصة مبني على التخصيص وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] فذكر أن منهم من يفعل ذلك ، ثم عدد صنوف إنعامه وأوامره عليهم ، فلما انتهت القصة قال فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فهناك ذكر أمة عادلة وأمة جائرة فصار آخر الكلام مطابقا لأوله ، وأما في البقرة فلم يذكر في أول الآيات تمييزا وتخصيصا حتى يلزم في آخر القصة مثل ذلك . لم قال في « البقرة » فَأَنْزَلْنا وفي « الأعراف » فَأَرْسَلْنا لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر ، والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصالهم بالكلية ، وذلك إنما يحدث بالآخرة . وقيل : لأن لفظ الإرسال في « الأعراف » أكثر فروعي التناسب . لم قال في « البقرة » بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وفي « الأعراف » يَظْلِمُونَ لأنه لما بين في البقرة كون الظلم فسقا اكتفى بذلك البيان في « الأعراف » . وأيضا إنهم ظلموا أنفسهم وخرجوا عن طاعة اللّه تعالى ، فوصفهم بالأمرين في موضعين واللّه أعلم .